محمد بن جرير الطبري

156

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رسالة ملأَكة . ومن قال : مألكا ، فهو مفعل من ألكت إليه آلك : إذا أرسلت إليه مألكة وألوكا ، كما قال لبيد بن ربيعة : وغلام أرسلته أمه * بألوك فبذلنا ما سأل فهذا من ألكت . ومنه قول نابغة بني ذبيان : ألكني يا عيين إليك قولا * ستهديه الرواة إليك عني وقال عبد بني الحسحاس : ألكني إليها عمرك الله يا فتى * بآية ما جاءت إلينا تهاديا يعني بذلك : أبلغها رسالتي . فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة ، لأَنها رسل الله بينه وبين أنبيائه ومن أرسلت إليه من عباده . القول في تأويل قوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ اختلف أهل التأويل في قوله : إِنِّي جاعِلٌ ، فقال بعضهم : إني فاعل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن جرير بن حازم ، ومبارك عن الحسن ، وأبي بكر ، يعني الهذلي عن الحسن وقتادة ، قالوا : قال الله للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قال لهم : إني فاعل . وقال آخرون : إني خالق . ذكر من قال ذلك : حدثت عن المنجاب بن الحارث قال : حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق ، قال : كل شيء في القرآن " جعل " فهو خلق . قال أبو جعفر : والصواب في تأويل قوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي مستخلف في الأَرض خليفة ومصير فيها خلفا ، وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة . وقيل إن الأَرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي مكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن ابن سابط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " دحيت الأَرض من مكة . وكانت الملائكة تطوف بالبيت ، فهي أول من طاف به ، وهي الأَرض التي قال الله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، وكان النبي إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون أتى هو ومن معه فعبدوا الله بها حتى يموتوا ، فإن قبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام " القول في تأويل قوله تعالى : خَلِيفَةً والخليفة الفعيلة ، من قولك : خلف فلان فلانا في هذا الأَمر إذا قام مقامه فيه بعده ، كما قال جل ثناؤه : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يعني بذلك : أنه أبدلكم في الأَرض منهم فجعلكم خلفاء بعدهم ومن ذلك قيل للسلطان الأَعظم : خليفة ، لأَنه خلف الذي كان قبله ، فقام بالأَمر مقامه ، فكان منه خلفا ، يقال منه : خلف الخليفة يخلف خلافة وخليفا ، وكان ابن إسحاق يقول بما : حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلقا ليس منكم . وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها ، وإن كان الله جل ثناؤه إنما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأَرض خليفة يسكنها ، ولكن معناها ما وصفت قبل . فإن قال لنا قائل : فما الذي كان في الأَرض قبل بني آدم لها عامرا فكان بنو آدم بدلا منه وفيها منه خلفا ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في ذلك . فحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن